تمغرابيت
أثار إعلان لائحة المنتجين المغاربة المشاركين في برنامج Moroccan Producers Spotlight 2026 ضمن السوق الأوروبية للفيلم ببرلين، نقاشا مشروعا داخل الأوساط السينمائية والثقافية الوطنية. ليس اعتراضًا على الكفاءات المختارة، بل تساؤلًا عميقًا حول صورة المغرب التي يتم تقديمها في المحافل الدولية، وحول ما إذا كانت هذه الصورة تعكس فعلًا التعدد اللغوي والثقافي الذي يقوم عليه البلد.
فحين يقدم المغرب كـ«ضيف شرف» في سوق سينمائية عالمية، يفترض أن تكون هذه المشاركة فرصة لإبراز غناه الثقافي وتنوع روافده الحضارية. غير أن اللائحة المعلنة تطرح سؤال الغياب أكثر مما تبرر الحضور، خاصة في ما يتعلق بالمخرجين والمنتجين الذين يشتغلون باللغة الأمازيغية والحسانية، أو الذين جعلوا من الثقافة المغربية، في عمقها الهوياتي والرمزي، محورًا لأعمالهم السينمائية.
الدستور المغربي يقر بتعدد الروافد الثقافية واللغوية للمملكة، ويعترف بالأمازيغية كلغة رسمية، وبالحسانية كمكوم أصيل من الهوية الوطنية. كما أن السينما المغربية راكمت، على مدى سنوات، تجارب وازنة ناطقة بالأمازيغية والحسانية، وأخرى مشبعة بأسئلة الذاكرة والهوية والانتماء، وحققت حضورًا معتبرًا داخل مهرجانات دولية ومنصات نقدية.
ومع ذلك، يظل هذا التعدد حاضرًا في الخطاب أكثر منه في الاختيارات التمثيلية. فالمشاركة الدولية الأخيرة تقدم صورة سينمائية تكاد تكون متجانسة لغويًا وثقافيًا، بما يكرس تمثيلًا واحدًا للمغرب، ويُقصي، عن قصد أو عن غير قصد، أصواتًا أخرى تشكّل جزءًا لا يتجزأ من المشهد الوطني.
السؤال الجوهري اليوم لا ينصب على من تم اختياره، بقدر ما ينصب على من غاب عن هذه الصورة.
أين هم المخرجون والمنتجون المغاربة الذين ينتجون أعمالهم بالأمازيغية والحسانية؟
وأين السينمائيون الذين ينحتون مشاريعهم من صميم الثقافة المغربية، ومن الذاكرة الجماعية، ومن الامتداد الترابي والإنساني للبلد؟
هل جرى التفكير في هذه الأصوات باعتبارها قيمة مضافة لصورة المغرب في الخارج؟
وهل تم التعامل مع سينما الهوية والتعدد بوصفها رافعة دبلوماسية ثقافية، أم جرى اختزال التمثيل في نموذج واحد يقدم باعتباره مرآة شاملة للمغرب؟
إن الإشكال هنا ليس في الأسماء، بل في زاوية النظر زاوية ترى في التعدد عبئًا بدل أن تراه ثروة، وفي الاختلاف مخاطرة بدل أن يكون قوة ناعمة.
تمغرابيت ليست كلمة تستعمل في المناسبات، ولا خطابًا للاستهلاك الإعلامي، بل هي ممارسة يومية، واختيار واعٍ، وقدرة على تمثيل الذات كما هي، بكل تنوعها واختلافها.
وحين تغيب الأمازيغية والحسانية، وتغيب السينما المنخرطة في سؤال الهوية، عن واجهات التمثيل الدولي، فإننا لا نقصي فئة مهنية فقط، بل نُقصي جزءًا من ذاكرتنا وروايتنا الجماعية.
السينما ليست مجرد صناعة أو سوق، بل مرآة للهوية الوطنية.
وإذا لم نعكس أنفسنا بصدق في هذه المرآة، فلا ينبغي أن نستغرب حين لا يتعرف العالم على تمغرابيتنا كما نعيشها ونؤمن بها.
لم يتم نشر أي تعليق بعد. كن أول من يشارك برأيه