في سياق دينامية إصلاحية متسارعة يشهدها القطاع السينمائي المغربي، أعلن المركز السينمائي المغربي عن استكمال جزء محوري من الترسانة القانونية المؤطرة للصناعة السينمائية، من خلال صدور أربعة قرارات وزارية جديدة بالجريدة الرسمية، في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 18.23 المتعلق بإعادة تنظيم القطاع. خطوة تحمل في طياتها طموحاً واضحاً لإعادة ترتيب البيت الداخلي للسينما الوطنية، والانتقال بها من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الصناعة المنظمة.
هذه القرارات لا تأتي في سياق معزول، بل تندرج ضمن رؤية شمولية تروم تأهيل مختلف حلقات السلسلة السينمائية، من القاعات إلى الإنتاج، مروراً بالتوزيع والتأهيل المهني. فقد همّت تحديد معايير دقيقة لتصنيف القاعات السينمائية وإعادة تصنيفها، وضبط شروط اعتماد الأفلام على الصعيدين الوطني والدولي، إلى جانب إعادة هيكلة الأنشطة المهنية المرتبطة بالقطاع، مع فرض نسب محددة لتشغيل التقنيين والمتدربين المغاربة.
إننا، بهذا التحول، أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من النصوص العامة إلى التفاصيل الدقيقة، وهو مسار لا غنى عنه لبناء صناعة سينمائية حقيقية تستند إلى قواعد واضحة وشفافة. غير أن هذا التقدم التشريعي، رغم أهميته، يطرح في المقابل تحديات واقعية، خصوصاً على مستوى قابلية التنزيل. فالمهنيون، وخاصة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، قد يجدون أنفسهم أمام إكراهات تنظيمية تفوق قدرتهم الإنتاجية، في ظل التزامات جديدة تتطلب موارد بشرية إضافية وإمكانيات مالية أكبر.
ولعل فرض نسب تشغيل محددة للتقنيين والمتدربين، رغم ما يحمله من نوايا إيجابية لدعم الكفاءات الوطنية، يثير نقاشاً مشروعاً حول مرونته. فكيف يمكن لمشروع فيلم قصير أو فيديو كليب بميزانية محدودة أن يستجيب لنفس الشروط المفروضة على إنتاجات كبرى؟ هنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نوازن بين حماية اليد العاملة الوطنية وضمان استمرارية المبادرات الإبداعية الصغيرة؟
في هذا الإطار، دعا البلاغ الرسمي مختلف الفاعلين إلى ملاءمة وضعيتهم القانونية قبل 31 غشت 2026، وهو أجل يبدو منطقياً من حيث المبدأ، لكنه يظل رهيناً بمدى توفير المواكبة الضرورية. فالإصلاح لا يتحقق فقط عبر سن القوانين، بل عبر تفسيرها، تبسيطها، وتأطير تنزيلها ميدانياً، خاصة في ظل ما يعرفه القطاع من تعقيدات إدارية وتأخر في معالجة بعض الملفات.
اللافت أيضاً هو تأكيد البلاغ على الطابع التشاركي لهذه النصوص، من خلال تنظيم جلسات استماع مع المهنيين خلال سنتي 2025 و2026. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي حد تم تحويل هذا التشاور إلى قرارات فعلية تعكس انتظارات الفاعلين؟ فالحكامة الثقافية الحقيقية لا تقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى تأثير الملاحظات المهنية في صياغة السياسات العمومية.
إن استكمال هذه الترسانة القانونية يمثل بلا شك خطوة متقدمة نحو تحديث القطاع السينمائي المغربي وتعزيز موقعه التنافسي دولياً. غير أن نجاح هذا الورش يظل مشروطاً بقدرة المؤسسات الوصية على تحقيق معادلة دقيقة: صرامة قانونية تحمي القطاع، ومرونة عملية تضمن استمراريته.
في النهاية، يبقى الرهان الأكبر ليس في إصدار القوانين، بل في كيفية تنزيلها بروح تشاركية، وبفهم عميق لواقع الممارسة السينمائية. فالقانون، مهما بلغ من الإحكام، لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عندما يصبح أداة لخدمة الإبداع، لا عبئاً عليه
لم يتم نشر أي تعليق بعد. كن أول من يشارك برأيه