تشهد السينما المغربية خلال الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي حضورًا نوعيًا ولافتًا، يعكس التحولات العميقة التي يعرفها القطاع السينمائي الوطني على مستوى الإبداع والإنتاج والانفتاح الدولي، وذلك من خلال مشاركة أفلام ومشاريع مغربية في أقسام رسمية ومهنية متعددة داخل المهرجان وسوق الفيلم.
ويؤكد الدليل الرسمي للجناح المغربي بمهرجان كان 2026 أن السينما المغربية لم تعد تكتفي بالحضور الرمزي أو المناسباتي، بل أصبحت تراهن على تثبيت موقعها داخل الخريطة السينمائية العالمية، عبر أعمال تحمل رؤى فنية متنوعة وأسئلة إنسانية واجتماعية عميقة، إضافة إلى مشاريع إنتاجية تبحث عن شراكات دولية وأسواق جديدة.
وفي مقدمة هذا الحضور، يبرز فيلم “الأكثر حلاوة” للمخرجة المغربية ليلى المركشي، الذي تم اختياره ضمن قسم “نظرة ما، حيث يعالج قضية العاملات الموسميات المغربيات في حقول الفراولة بإسبانيا، في معالجة إنسانية واجتماعية قوية تكشف هشاشة أوضاع الهجرة والاستغلال.
كما يسجل المخرج والمنتج سعيد حميش بالعربي حضوره بفيلم القصير، المشارك ضمن “أسبوعي المخرجين”، وهو عمل شاعري يذهب بعيدًا في التأمل البصري والبحث الوجودي، مؤكدا استمرار السينما المغربية في الانفتاح على أشكال سردية جديدة وأكثر حرية.
ولم يقتصر الحضور المغربي على الأفلام الجاهزة فقط، بل امتد إلى المشاريع السينمائية قيد التطوير والإنتاج، حيث برز مشروع “WOLFMOTHER” للمخرج إسماعيل العراقي ضمن فضاء “Investors Circle”، وهو مشروع سينمائي طموح يعكس انفتاح السينما المغربية على الإنتاجات ذات البعد الدولي والأسلوب البصري المختلف.
كما عرفت الدورة حضور مشاريع مغربية شابة تحمل رهانات اجتماعية وإنسانية قوية، من بينها مشروع “Laissées-pour-compte” للمخرجة كنزة التازي، الذي يناقش قضية الحمل غير المرغوب فيه والإجهاض السري من خلال قصة أربع نساء يجمعهن مصير قاس داخل السجن.
ويبرز كذلك مشروع “Remontada” للمخرج رضا لحمويض، الذي يستلهم ملحمة المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022 ليقدم قصة إنسانية عن الألم والأمل والصمود داخل المجتمع المغربي، في تداخل بين الرياضة والتحولات الاجتماعية.
وفي السياق نفسه، يواصل المغرب تعزيز موقعه كوجهة عالمية للتصوير السينمائي، حيث خصص الدليل الرسمي مساحة واسعة للترويج للمملكة باعتبارها منصة تصوير دولية توفر تحفيزات مالية مهمة، أبرزها نظام نظام الاسترجاع النقدي الذي يسمح باسترجاع 30% من المصاريف المؤهلة للإنتاجات الأجنبية. كما تم التأكيد على توفر المغرب على بنية تحتية حديثة وتقنيين ذوي خبرة عالية وتنوع جغرافي يسمح بإعادة خلق مختلف البيئات الطبيعية والزمانية.
ويبدو واضحًا أن المغرب دخل اليوم مرحلة جديدة في علاقته بالسينما العالمية، مرحلة تقوم على بناء صورة دولة منتجة ومبدعة، لا مجرد فضاء للتصوير فقط. فالحضور المغربي في كان 2026 يعكس حيوية جيل جديد من السينمائيين المغاربة، القادرين على فرض صوتهم داخل أكبر المحافل السينمائية الدولية، وعلى تقديم قصص محلية بروح كونية تتفاعل مع قضايا الإنسان أينما كان.
لم يتم نشر أي تعليق بعد. كن أول من يشارك برأيه