تمغرابيت
يعيد غياب حروف تيفيناغ عن الواجهة الرسمية لـ المركز السينمائي المغربي طرح نقاش أعمق من مجرد مسألة تصميم أو اختيار بصري، نقاش يمس صميم الهوية الثقافية والتعدد اللغوي داخل المؤسسات العمومية، خاصة تلك المرتبطة بالفعل الإبداعي والفني، وفي مقدمتها السينما.
فالملاحظ أن مدخل المؤسسة وشعارها الرسمي يكتفيان باللغتين العربية والفرنسية، في حين تغيب الأمازيغية، رغم كونها لغة رسمية للدولة بمقتضى الدستور، ورغم ما تحمله من حمولة تاريخية وثقافية تشكل أحد أعمدة “تمغرابيت” التي يفترض أن تكون حاضرة في رموز الدولة ومؤسساتها. هذا الغياب يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الانتقال الفعلي من الاعتراف الدستوري إلى التفعيل الرمزي والمؤسساتي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتفصيل شكلي أو مطلب فئوي، بل برمز قوي الدلالة. فالواجهات الرسمية ليست مجرد لوحات تعريفية، بل رسائل سياسية وثقافية تعكس تصور المؤسسة لهوية البلد الذي تمثله. حين تغيب تيفيناغ عن مؤسسة مركزية تُعنى بالسينما، يصبح السؤال مطروحا هل ما زال الاعتراف بالتعدد اللغوي يراوح مكانه في حدود النصوص، دون أن يجد طريقه إلى الممارسة اليومية والرمزية؟
السينما المغربية نفسها كانت، ولا تزال، فضاء رحبا للتعبير عن التعدد الثقافي واللغوي. أفلام ناطقة بالأمازيغية، ومواضيع مستلهمة من الذاكرة والفضاء الأمازيغي، وصناع سينما ينتمون إلى مختلف روافد الهوية المغربية، أسهموا جميعاً في بناء صورة سينمائية تعكس غنى المغرب وتنوعه. من هذا المنطلق، يبدو غريباً أن لا يواكب المركز السينمائي المغربي هذا التعدد على مستوى رموزه البصرية.
إن إدراج الأمازيغية بحروف تيفيناغ إلى جانب العربية والفرنسية لا يحتاج إلى مجهود كبير ولا إلى كلفة تذكر، لكنه يحمل قيمة رمزية عالية، ويشكل رسالة واضحة مفادها أن الهوية المغربية تُفهم وتدار باعتبارها وحدة في التعدد، لا باعتبارها اختزالاً في لغتين دون الثالثة. كما أن هذه الخطوة ستنسجم مع التوجه العام للدولة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء العمومي، ومع الخطاب الرسمي حول الإنصاف الثقافي والمجالي.
اليوم، ومع التحولات التي يعرفها قطاع السينما، ومع النقاش الدائر حول الحكامة والتحديث وتكريس مغرب جديد، تبدو مثل هذه التفاصيل الرمزية مؤشراً على عمق الإصلاح أو محدوديته. فبقدر ما تكون القوانين والسياسات ضرورية، تظل الرموز والصور جزءاً لا يتجزأ من بناء الثقة والانتماء.
غياب تيفيناغ عن واجهة المركز السينمائي المغربي ليس نهاية النقاش، بل بدايته. نقاش هادئ ومسؤول حول معنى “تمغرابيت” في المؤسسات، وحول كيف يمكن للثقافة، والسينما تحديداً، أن تكون في طليعة تجسيد مغرب التعدد والاعتراف المتوازن بكل روافده.
لم يتم نشر أي تعليق بعد. كن أول من يشارك برأيه