في هذا الحوار العميق، يفتح لنا الدكتور رائد منصور، أخصائي الأسرة والعلاقات، قلبه للحديث عن مفهوم الأبوة في العصر الحديث، وكيف تغيّر دور الأب بين الأمس واليوم. حديث يتطرق إلى الأبعاد النفسية، الاجتماعية، والتربوية، ويضع الأصبع على الجرح في مجتمعاتنا العربية.
من هو د. رائد منصور؟
دكتور رائد منصور هو أخصائي في العلاقات الأسرية والتوجيه التربوي، حاصل على دكتوراه في علم النفس الأسري من جامعة القاهرة، ويُعرف بمداخلاته الإعلامية وندواته الواسعة حول التربية والعلاقات داخل الأسرة. عمل مع آلاف الأسر في الدول العربية، ويدير مركز استشارات أسرية متخصص في قضايا الأبوة والأمومة.
الأب العربي: بين الصورة النمطية والواقع الجديد
سؤال: دكتور رائد، دعنا نبدأ من الأساس، كيف ترى تطور مفهوم الأبوة في مجتمعاتنا العربية؟
د. رائد منصور:
لقد مرّ مفهوم الأبوة بتحولات عميقة خلال العقود الأخيرة. في السابق، كان يُنظر إلى الأب على أنه المعيل والمصدر الوحيد للانضباط، صاحب الكلمة الأخيرة وربما الصارمة. اليوم، نلاحظ دخول عنصر جديد: العاطفة، الحوار، الحضور اليومي، والدور التربوي المشترك مع الأم.
لكن هذه التحولات تصطدم بتحديات، لأن الكثير من الرجال لم يتلقوا نماذج أبوة حديثة. هم يسعون ليكونوا “آباء معاصرين”، لكنهم محاطون بتوقعات تقليدية من المجتمع، مما يسبب لهم نوعًا من الارتباك الداخلي.
التحديات الجديدة: هل الرجل مستعد فعلًا لها؟
سؤال: ما التحديات الأساسية التي تواجه الأب العربي اليوم؟
د. رائد منصور:
هناك ثلاث تحديات رئيسية:
- الصراع بين الدور التقليدي والجديد: الأب مطلوب منه أن يكون قويًا وعاطفيًا في آن واحد، وهذه معادلة صعبة بدون دعم نفسي واجتماعي.
- ضغط العمل وضيق الوقت: معظم الآباء يقضون وقتًا طويلًا خارج المنزل، مما يجعل حضورهم في حياة أطفالهم محدودًا.
- نقص الوعي التربوي: قلة من الآباء يخصصون وقتًا لتعلم أساليب التربية الحديثة، وغالبًا ما يعتمدون على التجربة والخطأ أو تكرار ما عاشوه في طفولتهم.
غياب الأب: أثره أكبر مما نتصور
سؤال: هل لغياب الأب العاطفي أو الجسدي أثر مباشر على الطفل؟
د. رائد منصور:
دون أدنى شك. غياب الأب، سواء بسبب العمل أو اللامبالاة، يؤثر على نمو الطفل النفسي والاجتماعي. الأولاد والبنات على حد سواء يحتاجون إلى صورة “الأب القدوة”، الحاضر، الذي يستمع وينصح دون تهديد.
عندما يغيب هذا الحضور، قد يبحث الطفل عن قدوة بديلة في الخارج — أحيانًا في نماذج سلبية — أو يفتقد إلى الثقة بالنفس والانضباط الداخلي.
الحوار بدل الصراخ: نصيحة لكل أب
سؤال: ما النصيحة الذهبية التي تكررها دائمًا للآباء الجدد؟
د. رائد منصور:
تعلم أن تستمع.
كثير من الآباء يظنون أن التربية تعني الأوامر، لكنها في الواقع تبدأ من الإنصات. حين يشعر الطفل أن والده يسمعه ويفهمه، يثق به تلقائيًا، ويصبح أكثر قابلية للتوجيه والنصيحة.
هل فقد الأب سلطته؟
سؤال: هناك من يقول إن الأب فقد هيبته في العصر الحديث. ما رأيك؟
د. رائد منصور:
أرفض هذا التعبير تمامًا. ما فقدناه هو “الخوف من الأب”، وليس “الاحترام له”.
الفرق كبير. اليوم، نبني علاقة قائمة على الحب والثقة، لا على التهديد والعقاب. الهيبة الحقيقية تنبع من القدوة والعدل، لا من الصوت العالي.
ما المطلوب من المجتمع والمؤسسات لدعم دور الأب؟
- ورش تدريبية للأباء الجدد: كما توجد دورات للأمهات، يجب توفير محتوى موجه للآباء لفهم أدوارهم الجديدة.
- تشجيع الآباء على الإجازات الأبوية: بعض الدول بدأت تمنح الآباء إجازة لرعاية الطفل بعد الولادة، وهذا أمر إيجابي يجب تعميمه.
- إعادة التوازن الإعلامي: للأسف، بعض وسائل الإعلام تكرّس صورة الأب الغائب أو القاسي، بينما نحتاج لنماذج واقعية وإيجابية تعكس تطور دور الأب.
كلمة أخيرة لكل أب يقرأ هذا الحوار
د. رائد منصور:
أنت لست أقل أهمية من الأم في بناء شخصية الطفل. لا تنتظر أن يكبر أولادك لتبدأ علاقتك معهم. شاركهم منذ اليوم الأول، بوقت حقيقي، وكلمات حانية، وقرارات عادلة. الأبوة ليست منصبًا يُمنح، بل علاقة تُبنى.
لم يتم نشر أي تعليق بعد. كن أول من يشارك برأيه